الحكيم الحكم
قال الله تعالى : ( وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير )
هو تعالى (الحكيم) الموصوف بكمال الحكمة وبكمال الحكم بين المخلوقات ، فالحكيم هو واسع العلم والإطلاع على مبادئ الأمور وعواقبها ، واسع الحمد
تام القدرة ، عزيز الرحمة فهو الذي يضع الأشياء مواضعها وينزلها منازلها اللائقة بها في خلقه وأمره ، فلا يتوجه إليه سؤال ، ولا يقدح في حكمته مقال.وحكمته نوعان :أحدهما : الحكمة في خلقه ، فإنه خلق الخلق بالحق ومشتملاً على الحق ، وكان غايته والمقصود به الحق خلق المخلوقات كلها بأحسن نظام ، ورتبها أكمل ترتيب وأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به .بل أعطى كل جزء من أجزاء المخلوقات وكل عضو من أعضاء الحيوانات خلقته وهيئته فلا يرى أحد في خلقه خللاً ، ولا نقصاً ، ولا فطوراً ، فلو اجتمعت عقول الخلق من أولهم إلى آخرهم ليقترحوا مثل خلق الرحمن أو ما يقارب ما أودعه في الكائنات من الحسن والانتظام والإتقان لم يقدروا ، وأنى لهم القدرة على شئ من ذلك وحسب العقلاء الحكماء منهم أن يعرفوا كثيراً من حكمه ، ويطلعوا على بعض ما فيها من الحسن والإتقان . وهذا أمر معلوم قطعاً بما يعلم من عظمته وكمال صفاته وتتبع حكمه في الخلق والأمر ، وقد تحدى عباده وأمرهم أن ينظروا ويكرروا النظر والـتأمل هل يجدون في خلقه خللاً أو نقصاً ، وأنه لا بد أن ترجع الأبصار كليلة عاجزة عن الانتقاد على شئ من مخلوقاته.النوع الثاني : الحكمة في شرعه وأمره ، فإنه تعالى شرع الشرائع ، وأنزل الكتب ، وأرسل الرسل ليعرفه العباد ويعبدونه ، فأي حكمة أجل من هذا ، وأي فضل وكرم أعظم من هذا ، فإن معرفته تعالى وعبادته وحده لا شريك له ، واخلاص العمل له وحمده ، وشكره والثناء عليه أفضل العطايا منه لعباده على الإطلاق ، وأجل الفضائل لمن يمن الله عليه بها . وأكمل سعادة وسرور للقلوب والأرواح ، كما أنها هي السبب الوحيد للوصول إلى السعادة الأبدية والنعيم الدائم ، فلو لم يكن في أمره وشرعه إلا هذه الحكمة العظيمة التي هي أصل الخيرات ، وأكمل اللذات ، ولأجلها خلقت الخليقة وحق الجزاء وخلقت الجنة والنار ، لكانت كافية شافية .هذا وقد اشتمل شرعه ودينه على كل خير فأخباره تملأ القلوب علماً ، ويقيناً، وإيماناً ، وعقائد صحيحة ، وتستقيم بها القلوب ويزول انحرافها ، وتثمر كل خلق جميل وعمل صالح وهدى ورشد . وأوامره ونواهيه محتوية على غاية الحكمة والصلاح والإصلاح للدين والدنيا ، فإنه لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة ، ولا ينهي إلا عما مضرته خالصة أو راجحة .ومن حكمه الشرع الإسلامي أنه كما أنه هو الغاية لصلاح القلوب ، والأخلاق ،والأعمال ، والاستقامة على الصراط المستقيم ، فهو الغاية لصلاح الدنيا ، فلا تصلح أمور الدنيا صلاحاً حقيقياً إلا بالدين الحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وهذا مشاهد محسوس لكل عاقل ، فإن أمة محمد لما كانوا قائمين بهذا الدين أصوله وفروعه وجميع ما يهدي ويرشد إليه ، كانت أحوالهم في غاية الاستقامة والصلاح ، ولما انحرفوا عنه وتركوا كثيراً من هداه ولم يسترشدوا بتعاليمه العالية ، انحرفت دنياهم كما أنحرف دينهم . وكذلك نظر إلى الأمم الأخرى التي بلغت في القسوة ، والحضارة ، والمدنية مبلغاً هائلاً ، ولكن لما كانت خالية من روح الدين ورحمته وعدله ، كان ضررها أعظم من نفعها ، وشرها اكبر من خيرها ، وعجز علماؤها وحكماؤها وساستها عن تلافي الشرور الناشئة عنها ، ولن يقدروا على ذلك ما داموا على حالتهم . ولهذا كان من حكمته تعالى أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الدين والقرآن أكبر البراهين على صدقه وصدق ما جاء به ، لكونه محكماً كاملاً لا يحصل إلا به.وبالجملة فالحكيم متعلقاته المخلوقات والشرائع ، وكلها في غاية الأحكام ، فهو الحكيم في أحكامه القدرية ، وأحكامه الشرعية ، وأحكامه الجزائية ، والفرق بين أحكام القدر وأحكام الشرع أن القدر متعلق بما أوجده وكونه وقدره ، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن . وأحكام الشرع متعلقة بما شرعه . والعبد المربوب لا يخلو منهما أو من أحدهما ، فمن فعل منهم ما يحبه الله ويرضاه فقد اجتمع فيه الحكمان ، ومن فعل ما يضاد ذلك فقد وجد فيه الحكم القدري ، فإن ما فعله واقع بقضاء الله وقدره ولم يوجد في الحكم الشرعي لكونه ترك ما يحبه الله ويرضاه . فالخير والشر والطاعات ، والمعاصي كلها متعلقة وتابعة للحكم القدري ، وما يحبه الله منها هو تابع الحكم الشرعي ومتعلقه والله أعلم
الحكم من أسمائه جل وعلا
قال الله تعالى : ( فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين ) .
وقال تعالى ( وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلا لا مبدل لكلماته )
وقال تعالى : ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان )
وقال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله هو الحكم وإليه الحكم ) .
وقال تعالى : ( أفغير الله أبتغي حكماً وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً ) . والله سبحانه هو الذي يحكم بين عباده في الدنيا والآخرة بعدله وقسطه فلا يظلم مثقال ذرة ولا يحمل أحد وزر أحد ولا يجازي العبد بأكثر من ذنبه ويؤدي الحقوق إلى أهلها فلا يدعو صاحب حق إلا وصل إليه حقه وهو العدل في تدبيره وتقديره وهو سبحانه موصوف بالعدل في فعله وأفعاله كلها جارية على سنن العدل والاستقامة ليس فيها شائبة جور أصلاً فهي كلها بين الفضل والرحمة وبين العدل والحكمة كما قدمنا وما ينزله سبحانه بالعصاة والمكذبين من انواع الهلاك والخزي في الدنيا وما أعده لهم من العذاب المهين بالآخرة ، فإنما فعل بهم ما يستحقونه فإنه لا يأخذ إلا بذنب ولا يعذب إلا بعد إقامة الحجة وأقواله كلها عدل فهو لا يأمرهم إلا بما فيه مصلحة خالصة أو راجحة ولا ينهاهم إلا عن ما مضرته خالصة أو راجحة وكذلك حكمه بين عباده يوم فضل القضاء ووزنه لأعمالهم عدل لا جور فيه كما قـــــــــال تعالى : ( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين )
وهو سبحانه الحكم بالعدل في وصفه وفي فعله وفي قوله وفي حكمه بالقسط وهذا معنى قوله : ( إن ربي على صراط مستقيم) فإن أقواله صدق وأفعاله دائرة بين العدل والفضل ، فهي كلها أفعال رشيدة وحكمه بين عباده فيما اختلفوا فيه أحكام عادلة لا ظلم فيها بوجه من الوجوه وكذلك أحكام الجزاء والثواب والعقاب













09 ربيع الثاني, 1427 04:09 م