موقع طريــق الشـروق للمـقالات والبـحـوث الإسلامية

الدعوة إلى لله في ضوء كتاب الله وسنه نبيه صلى الله عليه وسلم معا نجتهد في طلب العلم الشرعي قال رسول الله (طالبان لايشبعان طالب علم وطالب مال )

بحث في زيارة القبور

 بحث في أقوال العلماء في زيارة القبور                                         

 

ذكر القرطبي في تفسير قوله تعالى الهاكم التكاثر

 

قوله حتى زرتم المقابرأي مفتخرين بالأموات وروى سعيد عن قتادة قال كانوا يقولون نحن أكثر من بني فلان ونحن أعد من بني فلان وهم ثم يوم يتساقطون إلى آخرهم والله ما زالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلهم وعن عمرو بن دينار حلف أن هذه السورة نزلت في التجار وعن شيبان عن قتادة قال نزلت في أهل الكتاب قلت الآية تعم جميع ما ذكر وغيره وفي صحيح مسلم عن مطرف عن أبيه قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ الهاكم التكاثر قال يقول إبن آدم مالي مالي وهل لك يا بن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس

 وروى البخاري عن إبن شهاب أخبرني أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لو أن لإبن آدم واديا من ذهب لأحب أن يكون له واديان ولن يملأ فاه إلا التراب ويتوب الله على من تاب

قال ثابت عن أنس عن أبي كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت ‏ألهاكم التكاثر قال إبن العربي وهذا نص صحيح مليح غاب عن أهل التفسير فجهلوا وجهلوا والحمد لله على المعرفة

 وقال إبن عباس قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ‏ألهاكم التكاثر قال تكاثر الأموال جمعها من غير حقها ومنعها من حقها وشدها في الأوعية

 الثانية قوله تعالى

   حتى زرتم المقابر أي حتى أتاكم الموت فصرتم في المقابر زوارا ترجعون منها كرجوع الزائر إلى منزله من جنة أو نار يقال لمن مات قد زار قبره وقيل أي ‏ألهاكم التكاثر حتى عددتم الأموات على ما تقدم وقيل هذا وعيد أي أشتغلتم بمفاخرة الدنيا حتى تزوروا القبور فتروا ما ينزل بم من عذاب الله  عز وجل الثالث قوله تعالى المقابر جمع مقبرة ومقبرة بفتح الباء وضمها والقبور جمع القبر        

 

وقد جاء في الشعر المقبر قال لكل أناس مقبر بفنائهم فهم ينقصون والقبور تزيد وهو المقبري والمقبري لأبي سعيد المقبري وكان يسكن المقابر وقبرت الميت أقبره وأقبره قبرا أي دفنته وأقبرته أي أمرت بأن يقبر وقد مضى في سورة عبس القول فيه والحمد لله الرابعة لم يأت في التنزيل ذكر المقابر إلا في هذه السورة وزيارتها من أعظم الدواء للقلب القاسي لأنها تذكر الموت والآخرة وذلك يحمل على قصر الأمل والزهد في الدنيا وترك الرغبة فيها

 قال النبي صلى الله عليه وسلم كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروا القبور فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة رواه إبن مسعود أخرجه إبن ماجه

وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة فإنها تذكر الموت وفي الترمذي عن بريدة فإنها تذكر الآخرة قال هذا حديث حسن صحيح وفيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن زوارات القبور قال وفي الباب عن إبن عباس وحسان بن ثابت قال أبو عيسى وهذا حديث حسن صحيح وقد راى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور فلما رخص في رخصته الرجال والنساء وقال بعضهم إنما كره زيارة القبور للنساء لقلة صبرهن وكثرة جزعهن قلت زيارة القبور للرجال متفق عليه عند العلماء مختلف فيه النساء أما الشواب فحرام عليهن الخروج وأما القواعد فمباح لهن ذلك وجائز لجميعهن ذلك إذا إنفردن بالخروج عن الرجال ولا يختلف في هذا إن شاء الله وعلى هذا المعنى يكون قوله زوروا القبور عاما وأما موضع أو وقت يخشى فيه الفتنة من إجتماع الرجال والنساء فلا يحل ولا يجوز

فبينا الرجل يخرج ليعتبر فيقع بصره على أمرأة فيفتتن وبالعكس فيرجع ثم واحد من الرجال والنساء مأزورا غير مأجور والله أعلم

 

قال العلماء ينبغي لمن أراد علاج قلبه وإنقياده بسلاسل القهر إلى طاعة ربه أن يكثر من ذكر هاذم اللذات ومفرق الجماعات وموتم البنين والبنات ويواظب على مشاهدة المحتضرين وزيارة قبور أموات المسلمين فهذه ثلاثة أمور ينبغي لمن قسا قلبه ولزمه ذنبه أن يستعين بها على دواء دائه ويستصرخ بها على فتن الشيطان وأعوانه فإن إنتفع بالإكثار من ذكر الموت وأنجلت به قساوة قلبه فذاك وإن عظم عليه ران قلبه وأستحكمت فيه دواعي الذنب فإن مشاهدة المحتضرين وزيارة قبور أموات المسلمين تبلغ في دفع ذلك مالا يبلغه الأول لأن ذكر الموت إخبار للقلب بما إليه المصير وقائم له مقام التخويف والتحذير وفي مشاهدة من أحتضر وزيارة قبر من مات من المسلمين معاينة ومشاهدة فلذلك كان أبلغ من الأول قال صلى الله عليه وسلم ليس الخبر كالمعاينة رواه إبن عباس فأما الإعتبار بحال المحتضرين فغير ممكن في ثم الأوقات وقد لا يتفق لمن أراد علاج قلبه في ساعة من الساعات وأما زيارة القبور فوجودها أسرع والإنتفاع بها أليق وأجدر فينبغي لمن عزم على الزيارة أن يتأدب بآدابها ويحضر قلبه في إتيانها ولا يكون حظه منها التطواف على الأجداث فقط فإن هذه حاله تشاركه فيها بهيمة ونعوذ بالله من ذلك بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى

 وإصلاح فساد قلبه أو نفع الميت بما يتلو عنده من القرآن والدعاء ويتجنب المشي على المقابر والجلوس عليها ويسلم إذا دخل المقابر وإذا وصل إلى قبر ميته الذي يعرفه سلم عليه أيضا وأتاه من تلقاء وجهه لأنه في زيارته كمخاطبته حيا ولو خاطبه حيا لكان الأدب إستقباله بوجهه فكذلك ها هنا ثم يعتبر بمن صار تحت التراب وأنقطع عن الأهل والأحباب بعد أن قاد الجيوش والعساكر ونافس الأصحاب والعشائر وجمع الأموال والذخائر فجاءه الموت في وقت لم يحتسبه وهول لم يرتقبه فليتأمل الزائر حال من مضى من إخوانه ودرج من أقرانه الذين بلغوا الآمال وجمعوا الأموال كيف إنقطعت آمالهم ولم تغن عنهم أموالهم ومحا التراب محاسن وجوههم وأفترقت في القبور أجزاؤهم وترمل من بعدهم نساؤهم وشمل ذل اليتم أولادهم وأقتسم غيرهم طريفهم وتلادهم وليتذكر ترددهم في المآرب وحرصهم على نيل المطالب وإنخداعهم لمواتاة الأسباب وركونهم إلى الصحة والشباب وليعلم أن ميله إلى اللهو واللعب كميلهم وغفلته عما بين يديه من الموت الفظيع والهلاك السريع كغفلتهم وأنه لا بد صائر إلى مصيرهم وليحضر بقلبه ذكر من كان مترددا في أغراضه وكيف تهدمت رجلاه وكان يتلذذ بالنظر إلى ما خوله وقد سالت عيناه ويصول ببلاغة نطقه وقد أكل الدود لسانه ويضحك لمواتاة دهره وقد أبلى التراب أسنانه وليتحقق أن حاله كحاله ومآله كمآله وعند هذا التذكر والإعتبار تزول عنه جميع الأغيار الدنيوية ويقبل على الأعمال الأحروية فيزهد في دنياه ويقبل على طاعة مولاه ويلين قلبه وتخشع جوارحه

 

وذكر الإمام ابن كثير في تفسيره

 

قال الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبيه قال لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية فقال أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله عز وجل فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب فقال أنا على ملة عبد المطلب فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأستغفرن لك ما لم أنه عنك فنزلت ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربي من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم قال ونزلت فيه إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء أخرجاه

وقال الإمام أحمد حدثنا يحيى بن آدم أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق عن أبي الخليل عن علي رضي الله عنه قال سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت أيستغفر الرجل لأبويه وهما مشركان فقال أولم يستغفر إبراهيم لأبيه فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين الآية قال لما مات فلا أدري قاله سفيان أو قاله إسرائيل أو هو في ثم لما مات قلت هذا ثابت عن مجاهد أنه قال لما مات وقال الإمام أحمد حدثنا الحسن بن موسى حدثنا زهير حدثنا زبيد بن الحارث اليامي عن أمته بن دثار عن ابن بريدة عن أبيه قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن في سفر فنزل بنا ونحن قريب من ألف راكب فصلى ركعتين ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان فقام بن الخطاب وفداه بالأب والأم وقال يا رسول الله مالك قال إني سألت ربي عز وجل في الاستغفار لأمي فلم يأذن لي فدمعت عيناي رحمة لها من النار وإني كنت نهيتكم عن ثلاث نهيتكم عن   زيارة القبور  فزوروها لتذكركم زيارتها خيرا ونهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث فكلوا وامسكوا ما شئتم ونهيتكم عن الأشربة في الأوعية فاشربوا في أي وعاء شئتم ولا تشربوا مسكرا وروى ابن جرير من حديث علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة أتى رسم قبر فجلس إليه فجعل يخاطب ثم قال مستعبرا فقلنا يا رسول الله إنا رابنا ماصنعت قال إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي فما رؤي باكيا أكثر من يومئذ وقال ابن أبي حاتم في تفسيره حدثنا أبي حدثنا خالد بن خداش حدثنا عبد الله بن وهب عن ابن جريج عن أيوب بن هانئ عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما إلى المقابر فاتبعناه فجاء حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلا ثم بكى فبكينا لبكائه ثم قام فقام بن الخطاب فدعاه ثم دعانا فقال ما أبكاكم فقلنا بكينا لبكائك قال إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي ثم أورده من وجه آخر ثم ذكر من حديث ابن مسعود قريبا منه وفيه وإني استأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي وأنزل علي ما كان للنبي والذين آمنوا الآية فأخذني ما يأخذ الولد للوالد وكنت نهيتكم عن   زيارة القبور  فزوروها فإنها تذكر الآخرة حديث آخر في معناه قال الطبراني حدثنا محمد بن علي المروزي حدثنا أبو الدرداء عبد العزيز بن منيب حدثنا إسحاق بن عبد الله بن كيسان عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أقبل من غزوة تبوك واعتمر فلما هبط من ثنية عسفان أمر أصحابه أن استندوا إلى العقبة حتى أرجع إليكم فذهب فنزل على قبر أمه فناجى ربه طويلا ثم إنه بكى فاشتد بكاؤه وبكى هؤلاء لبكائه وقالوا مابكى نبي الله بهذا المكان إلا وقد أحدث في أمته شيئا لا تطيقه فلما بكى بكى هؤلاء معه قام فرجع اليهم فقال ما يبكيكم قالوا يانبي الله بكينا لبكائك فقلنا لعله أحدث في وجبت شيء لا تطيقه قال لا وقد كان بعضه ولكن نزلت على قبر أمي فسألت الله أن يأذن لي في شفاعتها يوم القيامة فأبى الله أن يأذن لي فرحمتها وهي أمي فبكيت ثم جاءني جبريل فقال وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه فتبرأ أنت من أمك كما تبرأ إبراهيم من أبيه فرحمتها وهي أمي

 

وذكر الإمام النووي

 في شرح صحيح مسلم في شرح حديث خروج النبي صلى الله عليه وسلم للإستغفار لموتى البقيع

 

وفيه دليل لمن جوز للنساء زيارة القبور وفيها خلاف للعلماء وهي ثلاثة أوجه لأصحابنا أحدها تحريمها عليهن لحديث لعن الله زوارات القبور والثاني يكره والثالث يباح ويستدل له بهذا ثم وبحديث كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ويجاب عن هذا بأن نهيتكم ضمير ذكور فلا يدخل فيه النساء على المذهب الصحيح المختار في الأصول والله أعلم

 قوله  صلى الله عليه وسلم  استأذنت ربي أن أستغفر لأمى فلم يأذن لي واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي فيه جواز زيارة المشركين في الحياة وقبورهم بعد الوفاة لأنه اذا جازت زيارتهم بعد الوفاة ففي الحياة أولى وقد قال الله تعالى وصاحبهما في الدنيا معروفا وفيه النهى عن الاستغفار للكفار قال القاضي عياض رحمه الله سبب زيارته  صلى الله عليه وسلم  قبرها أنه قصد قوة الموعظة والذكرى بمشاهدة قبرها ويؤيده قوله  صلى الله عليه وسلم  في آخر ثم فزوروا القبور فانها تذكركم الموت

 

وذكر الإمام البخاري في شرحه

 

  قوله باب   زيارة القبور  أي مشروعيتها وكأنه لم يصرح بالحكم لما فيه من الخلاف كما سيأتي وكأن المصنف لم يثبت    على شرطه الأحاديث المصرحه بالجواز وقد أخرجه مسلم من حديث بريدة وفيه نسخ النهي عن ذلك ولفظه كنت نهيتكم عن   زيارة القبور  فزوروها وزاد أبو داود والنسائي من حديث أنس فإنها تذكر الآخرة وللحاكم من حديثه فيه وترق القلب وتدمع العين فلا تقولوا هجرا أي كلاما فاحشا وهو بضم الهاء وسكون الجيم وله من حديث بن مسعود فإنها تزهد في الدنيا ولمسلم من حديث أبي هريرة مرفوعا زوروا القبور فإنها تذكر الموت قال النووي تبعا للعبدري والحازمي وغيرهما اتفقوا على أن   زيارة القبور  للرجال جائزة كذا اطلقوا وفيه نظر لأن بن أبي شيبة وغيره روى عن بن سيرين وإبراهيم النخعي والشعبي الكراهة مطلقا حتى قال الشعبي لولا نهي النبي  صلى الله عليه وسلم  لزرت قبر ابنتي فلعل من أطلق أراد بالاتفاق ما استقر عليه الأمر بعد هؤلاء وكأن هؤلاء لم يبلغهم الناسخ والله أعلم

 ومقابل هذا قول بن حزم أن   زيارة القبور  واجبة ولو مرة واحدة في العمر لورود الأمر به واختلف في النساء فقيل دخلن في عموم الإذن وهو قول الأكثر ومحله ما إذا أمنت الفتنة ويؤيد الجواز حديث الباب وموضع الدلالة منه أنه  صلى الله عليه وسلم لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر وتقريره حجة وممن حمل الإذن على عمومه للرجال والنساء عائشة فروى الحاكم من طريق بن أبي مليكة أنه رآها زارت قبر أخيها عبد الرحمن فقيل لها أليس قد نهى النبي  صلى الله عليه وسلم  عن ذلك قالت نعم كان نهى ثم أمر بزيارتها وقيل الإذن خاص بالرجال ولا يجوز للنساء زيارة القبور وبه جزم الشيخ أبو إسحاق في المهذب واستدل له بحديث عبد الله بن عمرو الذي تقدمت الإشارة إليه في باب أتباع النساء الجنائز وبحديث لعن الله زوارات القبور أخرجه الترمذي وصححه من حديث أبي هريرة وله شاهد من حديث بن عباس ومن حديث حسان بن ثابت واختلف من قال بالكراهة في حقهن هل هي كراهة تحريم أو تنزيه قال القرطبي هذا اللعن إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصفة من المبالغة ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرج وما ينشأ منهن من الصياح ونحو ذلك فقد يقال إذا أمن جميع ذلك لا مانع من الإذن لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء

 

وذكر الإمام ابن قدامة في المغني

 

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كنت نهيتكم عن   زيارة القبور  فزوروها فإنها تذكركم الموت رواه مسلم والترمذي بلفظ فإنها تذكر الآخرة  

 

   فصل وإذا مر بالقبور أوزارها استحب أن يقول ما روى عن مسلم عن بريدة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية وفي حديث عائشة ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وفي حديث آخر اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم وإن أراد قال اللهم اغفر لنا ولهم كان حسنا    

 فصل قال ولا بأس بالقراءة عند القبر وقد روي عن أحمد أنه قال إذا دخلتم المقابر اقرؤوا آية الكرسي وثلاث مرار قل هو الله أحد الإخلاص ثم قال اللهم إن فضله لأهل المقابر    وروي عنه أنه   قال القراءة عند القبر بدعة وروي ذلك عن هشيم      قال أبو بكر نقل ذلك عن أحمد جماعة ثم رجع رجوعا أبان به عن نفسه فروى جماعة أن أحمد نهى ضريرا أن يقرأ عند القبر وقال له إن القراءة عند القبر بدعة فقال له محمد بن قدامة الجوهري يا أبا عبد الله ما تقول في مبشر الحلبي قال ثقة   

  قال فأخبرني مبشر عن أبيه أنه أوصى إذا دفن يقرأ عنده بفاتحة البقرة وخاتمتها وقال سمعت يوصي بذلك قال أحمد بن حنبل فارجع فقل للرجل يقرأ     

وقال الخلال حدثني أبو علي الحسن بن الهيثم البزار شيخنا الثقة المأمون قال رأيت أحمد بن حنبل يصلي خلف ضرير يقرأ على القبور    

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفف عنهم يومئذ وكان له بعدد من فيها حسنات وروي عنه عليه السلام من زار قبر والديه فقرأ عنده أو عندهما يس غفر له

 

الى أن قال

  مسألة قال وتكره للنساء   

اختلفت الرواية عن أحمد في زيارة النساء القبور فروي عنه كراهتها لما روت أم عطية قالت نهينا عن   زيارة القبور  ولم يعزم علينا رواه مسلم  ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعن الله زوارات القبور قال الترمذي هذا حديث صحيح وهذا خاص في النساء والنهي المنسوخ كان عاما للرجال والنساء ويحتمل أنه كان خاصا للرجال ويتحمل أيضا كون الخبر في لعن زوارات القبور بعد أمر الرجال بزيارتها فقد دار بين الحظر والإباحة فأقل أحواله الكراهة ولأن المرأة قليلة الصبر كثيرة الجزع وفي زيارتها للقبر تهييج لحزنها وتجديد لذكر مصابها ولا يؤمن أن يفضي بها ذلك إلى فعل ما لا يجوز بخلاف الرجل  ولهذا اختصصن بالنوح والتعديد وخصصن بالنهي عن الحلق والصلق ونحوهما     

والرواية الثانية

لا يكره لعموم قوله عليه السلام كنت نهيتكم عن   زيارة القبور  فزوروها وهذا يدل على سبق النهي ونسخه فيدخل في عمومه الرجال والنساء   وروي عن ابن أبي مليكة أنه قال لعائشة يا أم المؤمنين أين أقبلت قالت من قبر أخي عبد الرحمن فقلت لها قد نهى رسول الله عن   زيارة القبور  قالت نعم قد نهى ثم أمر بزيارتها 

 وروى الترمذي أن عائشة زارات قبر أخيها وروي عنها أنها قالت لو شهدته ما زرته  

 

وذكر الإمام الشوكاني في نيل الأوطار

 

 باب استحباب   زيارة القبور  للرجال دون النساء وما يقال عند دخولها    عن بريدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد كنت نهيتكم عن   زيارة القبور  فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه فزوروها فإنها تذكر الآخرة رواه الترمذي وصححه      وعن أبي هريرة قال زار النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبر أمه صحيحا وأبكى من حوله فقال استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يؤذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكر الموت رواه الجماعة  

  ثم الأول أخرجه أيضا مسلم وأبو داود وابن حبان والحاكم والحديث الثاني عزاه المصنف إلى الجماعة بدون استثناء ولم أجده في البخاري ولا عزاه غيره إليه فينظر وقد أخرجه أيضا الحاكم وفي الباب عن ابن مسعود عند ابن ماجة والحاكم وفي إسناده أيوب بن هانىء مختلف فيه  وعن أبي سعيد الخدري عند الشافعي وأحمد والحاكم  وعن أبي ذر عند الحاكم وسنده ضعيف وعن علي بن أبي طالب عليه السلام عند أحمد    

وعن عائشة عند ابن ماجة وهذه الأحاديث فيها مشروعية   زيارة القبور  ونسخ النهي عن الزيارة وقد حكى الحازمي والعبدري والنووي اتفاق أهل العلم على أن   زيارة القبور  للرجال جائزة      قال الحافظ كذا أطلقوه وفيه نظر لأن ابن أبي شيبة وغيره رووا عن ابن سيرين وإبراهيم النخعي والشعبي أنهم كرهوا ذلك مطلقا حتى قال الشعبي لولا نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم لزرت قبر ابنتي فلعل من أطلق أراد بالاتفاق ما استقر عليه الأمر بعد هؤلاء وكأن هؤلاء لم يبلغهم الناسخ والله أعلم      وذهب ابن حزم إلى أن   زيارة القبور  واجبة ولو مرة واحدة في العمر لورود الأمر به وهذا يتنزل على الخلاف في الأمر بعد النهي هل يفيد الوجوب أو مجرد الإباحة فقط والكلام في ذلك مستوفى في الأصول  قوله فقد أذن لمحمد الخ فيه دليل على جواز زيارة قبر القريب الذي لم يدرك الإسلام  قال القاضي عياض سبب زيارته صلى الله عليه وآله وسلم قبرها أنه قصد قوة الموعظة والذكرى بمشاهدة قبرها ويؤيده قوله صلى الله عليه وآله وسلم في آخر ثم فزوروا القبور فإنها تذكركم الموت     

قوله فلم يؤذن لي فيه دليل على عدم جواز الاستغفار لمن مات على غير ملة الإسلام      وعن أبي هريرةأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعن زوارات القبور رواه أحمد وابن ماجة والترمذي وصححه  

  وعن عبد الله بن أبي مليكة أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر فقلت لها يا أم المؤمنين من أين أقبلت قالت من قبر أخي عبد الرحمن فقلت لها أليس كان نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن زيارة القبور قالت نعم كان نهى عن زيارة القبور ثم أمر بزيارتها رواه الأثرم في سننه      ثم الأول أخرجه أيضا ابن حبان في صحيحه      والحديث الثاني أخرجه أيضا الحاكم      وأخرجه ابن ماجة عن عائشة مختصرا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رخص في زيارة القبور      وفي الباب عن حسان عند أحمد وابن ماجة والحاكم      وعن ابن عباس عند أحمد وأصحاب السنن

والبزار وابن حبان والحاكم وفي إسناده أبو صالح مولى أم هانىء وهو ضعيف

     

                وفي الباب أيضا أحاديث تدل على تحريم اتباع الجنائز للنساء فتحريم زيارة القبور تؤخذ منها بفحوى الخطاب منها عن وعند أبي داود والحاكم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى فاطمة ابنته فقال ما أخرجك من بيتك فقالت أتيت أهل هذا الميت فرحمت على ميتهم فقال لها فلعلك بلغت معهم الكدى قالت معاذ الله وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر فقال لو بلغت معهم الكدى فذكر تشديدا في ذلك فسألت ربيعة ما الكدى فقال القبور فيما أحسب     

وفي رواية لو بلغت معهم الكدى ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك  قال الحاكم صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه     

قال ابن دقيق العيد وفيما قاله الحاكم عندي نظر فإنه رواية ربيعة بن سيف لم يخرج له الشيخين في الصحيح شيئا فيما أعلم     

وعن أم عطية عند الشيخين قالت نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا     

وعنها أيضا عند الطبراني وفيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهاهن أن يخرجن في جنازة     وقد ذهب إلى كراهة الزيارة للنساء جماعة من أهل العلم وتمسكوا بأحاديث الباب واختلفوا في الكراهة هل هي كراهة تحريم أو تنزيه وذهب الأكثر إلى الجواز إذا أمنت الفتنة واستدلوا بأدلة منها دخولهن تحت الإذن العام بالزيارة  ويجاب عنه بأن الإذن العام مخصص بهذا النهي الخاص المستفاد من اللعن أما على مذهب الجمهور فمن غير فرق بين تقدم العام وتأخره ومقارنته وهو الحق     

وأما على مذهب البعض القائلين بأن العام المتأخر ناسخ فلا يتم الاستدلال به إلا بعد معرفة تأخره      ومنها ما رواه مسلم عن عائشة قالت كيف أقول يا رسول الله إذا زرت القبور قال قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين  

 ومنها ما أخرجه البخاري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر بامرأة تبكي عند قبر فقال اتقي الله واصبري قالت إليك عني ثم ولم ينكر عليها الزيارة   

 ومنها ما رواه الحاكم أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت تزور قبر عمها حمزة ثم جمعة فتصلي وتبكي عنده قال القرطبي اللعن المذكور في ثم إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصيغة من المبالغة ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرج وما ينشأ من الصياح ونحو ذلك وقد يقال إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الإذن لهن لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء انتهى    

 وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر      وعن أبي هريرةأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتى المقبرة فقال السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون رواه أحمد ومسلم والنسائي      ولأحمد من حديث عائشة مثله وزاد اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم  

  وعن بريدة قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية رواه أحمد ومسلم وابن ماجة     

حديث عائشة أخرجه أيضا مسلم بلفظ قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون وأخرج أيضا عنها أنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلما كان ليلتها منه يخرج إلى البقيع من آخر الليل فيقول السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد   

قوله السلام عليكم دار قوم مؤمنين دار قوم منصوب على النداء أي يا أهل فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وقيل منصوب على الاختصاص قال صاحب المطالع ويجوز جره على البدل من الضمير .

 

 

  

 

 



أضف تعليقا

فاروق النمر من سوريا
28 صفر, 1427 12:48 ص
الأخت العزيزة طريق الشروق...
تضيع مني الأحرف أمام مدونتك الغنية
المليئة بالعلم والمعرفة....جهودك كبيرة
وغير خافية على أحد...أتمنى لك التوفيق
وأشكر مرورك على مدونتي المتواضعة.
ودمت بكل الود.