"هل المصائب مكفرات أم مثيبات"
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم
أما بعد :
ــــــــــ
فقد اختلف العلماء في هذا الباب اختلافاً كثيراً ، و تباينوا فيه تبايناً شديداً ، فذهب بعض العلماء إلى أنه يثاب على كل مصيبة ، و ذهب طائفة أخرى من العلماء إلى أنه لا يثاب على المصائب مطلقاً ، و إنما يثاب على الصبر عليها ، حتى قطع به ابن عبد السلام في قواعده ، و ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية و جماعة من العلماء إلى أن إطلاق القول بالثواب ، كلاهما يرد عليه ما يدفعه ، و أن ثم فرقاً مؤثراً نذكره فيما بعد ، إن شاء الله .
و قد احتجت كل طائفة بظواهر مرجحة لما ذهبت إليه كما سنذكره بعد.
1).احتجت طائفة من العلماء إلى أنه يثاب على كل مصيبة بقوله تعالى : " ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ و لا نصب و لا مخمصة في سبيل الله و لا يطؤون موطئاً يغيظ الكفار و لا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح . " الآية .
و في الصحيحين " عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ما يصيب المؤمن من وصب و لا نصب ، و لا هم و لا حزن و لا غم و لا أذى ، حتى الشوكة يشاكها ، إلا كفر الله بها من خطاياه "
الوصب : الوجع اللازم ، و منه قوله تعالى : " و لهم عذاب واصب " أي لازم ثابت ،
و النصب: التعب.
و روى الحاكم في المستدرك أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :" المصاب من حرم الثواب ".
و روى ابن ماجة " من حديث أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :" ليس الزهادة في الدنيا ، بتحريم الحلال و لا بإضاعته ، و لكن الزهادة في الدنيا ، أن تكون بما في يد الله ، أوثق منك بما في يدك ، و أن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها ، أرغب منك فيها لو أنها بقيت لك " رواه الإمام أحمد ، موقوفاً عن أبي مسلم الخولاني .
وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : "مامن مسلم ، يموت له ثلاثة من الولد ، لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة ، بفضل رحمته إياهم " رواه أحمد
ورواية النسائي : "ما من مسلمين ، يموت لهما ثلاثة من الولد ، لم يبلغوا الحنث ، إلا غفر لهما " . و غير ذلك من الأحاديث مما اختصرته .
قال النووي ـ رحمه الله ـ في شرح مسلم عند قوله صلى الله عليه و سلم : "ما من مسلم يشاك بشوكة ، فما فوقها ، إلا كتبت له بها درجة ، و محيت عنه بها خطيئة "
و في رواية : " إلا رفعه الله بها درجة ، أو حط عنه بها خطيئة " .
و في بعض النسخ " و حط عنه بها خطيئة " بغير ألف ، و في رواية " إلا كتب له بها حسنة أو حطت عنه بها خطيئة " .
قال : وفي هذه الأحاديث بشارة عظيمة للمسلمين ، فإنه قل أن ينفك الواحد منهم ساعة من شيء من هذه الأمور ، و فيه تكفير الخطايا بالأمراض و الأسقام و مصائب الدنيا و همومها و إن قلت مشقتها ، و فيه رفع الدرجات بهذه الأمور و زيادة الحسنات ، و هذا هو الصحيح الذي عليه جماهير العلماء .
و حكى القاضي عياض عن بعض العلماء : أنها تكفر الخطايا فقط . و لم يبلغهم هذه الأحاديث الصحيصة الصربحة برفع الدرجات ، و كتب الحسنات ، انتهى كلامه
و يؤيد ذلك قول عائشة ـ رضي الله عنها ـ : "ما رأيت رجلاً أشد عليه الوجع من رسول الله صلى الله عليه و سلم
و قوله صلى الله عليه و سلم : "إني لأوعك مثل رجلين منكم، و إنك لتوعك وعكاً شديداً" .
و قوله صلى الله عليه و سلم : "أشد الناس بلاءً الأنبياء ، ثم الصالحون ، ثم الأمثل فالأمثل " . قال جماعة من العلماء : و الحكمة في كون الأنبياء أشد بلاءً ثم الأمثل بالأمثل : أنهم مخصصون بكمال الصبر و صحة الاحتساب ، و الأنبياء معصومون من الخطايا فتعين الثواب ، و الله أعلم .
و في حديث المرأة التي كانت تصرع : دليل على أن الصرع يثاب عليه أكمل ثواب .
و في صحيح مسلم " قالت امرأة يا رسول الله ، دفنت ثلاثة من الولد قال : احتظرت بحظار من النار " .
قال بعض السلف : فقد الثواب على المصيبة أعظم من المصيبة ، فإنه قد " ثبت أن النبي صلى الله عليه و سلم ، قال : المصاب من حرم الثواب " و قد تقدم .
و تقدم في أثناء الكتاب أحاديث تشهد لهذا القول ، و الله أعلم .
2).واحتجت الطائفة الأخرى من العلماء ممن أطلق القول بأن المصائب لا يثاب عليها ، و إنما يثاب على الصبر عليها . بقوله تعالى : " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب "
قال ابن عبد السلام في قواعده : (الثواب إنما يكون على فعل العبد لا على فعل الله فيه)، قال تعالى : " الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون " .
فما حصل لهم من صلاة الله عليهم و رحمته لهم و هدايته إياهم بقولهم : " إنا لله و إنا إليه راجعون " فالاسترجاع هو سبب في حصول ما ذكر ، و كذلك " حديث أبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنه ـ أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : يقول الله عز و جل لملك الموت : يا ملك الموت ، قبضت ولد عبدي ؟ قبضت قرة عينيه و ثمرة فؤاده ؟ قال : نعم ، قال : فما قال ؟ قال : حمدك و استرجع ، قال : ابنوا له بيتاً في الجنة و سموه بيت الحمد " فحمده و استرجاعه هو سبب بناء البيت له في الجنة ، و تسمية البيت كافية .
قال القاضي عياض : ((و قد روي عن عبد الله بن مسعود ، أنه قال : الوجع لا يكتب به أجر إنما يكفر الخطايا فقط)) .
أنتهي .
ـــــــــــــ
جمع وترتيب
أختكم في الله
طريق الشروق
السبت, 13 محرم, 1427
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية













salam ca va pikhayr bazaf